اُلْعَنْكَبُوتُ وَالْحَاسُوبُ - قصص و حكايات - صفحات - مجلة نسيم للأطفال

الإثنين, 2017-02-20, 23:39أهلاً بك ضيف
التسجيل | دخول
RSS

.
.
داخل المجلة
علوم و معارف
قصص و حكايات
إضحك معنا
تعلم التلوين
ألعاب نسيم
ألعاب بنات
ألعاب خاصة بالبنات
ألغاز و فوازير
رواد أدب الطفل
كتاب و رسامون من أجل الطفولة
قصائد للأطفال
أطفال مبدعون
قصص و رسوم من إبداع الأطفال
تعلم الرسم
موضة
Stories in English
بحث
.
.
.
الدخول للموقع
عداد الزوار

المتواجدون الآن: 1
زوار: 1
أعضاء: 0
الرئيسية » صفحات » قصص و حكايات

اُلْعَنْكَبُوتُ وَالْحَاسُوبُ

اُلْعَنْكَبُوتُ وَالْحَاسُوبُ

 

تأليف ميزونِي البناني/ تونس - رسوم : خليــلو / المغرب

طارَتْ ذُبابةٌ وفراشةٌ بَيْنَ أشْجارِ حَدِيقةٍ عُمومِيّةٍ، فَوَقَعَتا فِي نَسِيجٍ رَقِيقٍ ذِي أشِعّةٍ بَيْضاءَ،ِ يُغَطِّيها خَيْطٌ حَلَزُونِيٌّ.فِي الْبِدايَةِ، لَمْ تَشْعُرِ الْفراشَةُ بِالْخَطرِ، فَلَقدْ كَانَتْ تَظُنُّ الْخَلاصَ مِنْ أَشِعَّةِ هَذَا النَّسِيجِ الْعَجيبِ أَمْرًا بَسيطًا، لايُثِيرُ أَدْنَى قَلَقٍ أوِ انْشِغالٍ، لَكِنَّها لَمَّا حَاوَلَتِ الطّيَرانَ، وَجَدتْ أَعْضاءَها مَكْتوفَةً، وحَركَتَها مَشْلولَةً، حِينَها- فَقَطْ - تَوَجَّسَتْ خِيفَةً عَلى حَياتِها، فَسَألَتْ جارَتَها الذُّبابَةَ الّتِي كانَتْ لاتَزالُ فِي حَالَةِ ذُهول ٍمِنْ شِدّةِ الصَّدْمَةِ قائِلَةً:

- مَا الْأَمْرُ يَا صَديقَتي؟ مَاهَذِهِ الْخُيوطُ الدَّقيقَةُ اللّزِجَةُ؟ لِمَاذَا لاَ أَسْتَطيعُ الْحَراكَ؟

أَفَاقَتِ الْجارَةُ مِنْ ذُهولِهَا عَلَى وَقْعِ هَذا السُّؤالِ الّذِي يَشْهَدُ عَلَى أنَّهَا فِي الْيَقَظَةِ، وَ لَيْستْ فِي حَالَةِ نَوْمٍ، كَما كَانَتْ تَعْتَقِدُ، فَطَفِقَتْ تَتَخَبّطُ، مُنْتَحِبَةً، نَادِبَةً حَظَّها:

يَا وَيْلَتَنَا! وَقَعْنَا فِي فَخِّ الْعَنْكَبُوتِ!

- وَمَاذا يَحْصُلُ لِمَنْ يَقَعُ فِي مِثْلِ هَذا الْفَخِّ؟

أَدْرَكتِ الذُّبابَةُ أَنَّ جارَتَها لاتَعْرِفُ شَيْئًا عَنِ الْعَنْكبوتِ وَبَيْتِهَا الّذِي تَنْسُجُه مِنْ خُيُوطِ لُعَابِهَا مَسْكَنًا وَمِصْيدَةً، تَصِيدُ بِهَا صِغَارَ الْحَشَرَاتِ، فَلَمْ تَجِدْ مَفَرًّا مِنْ إِخْبَارِ صَديقَتِها النَّحْلَةِ بِالْحَقِيقَةِ الْمُرَّةِ. قالَتْ لَهَا بِصَوْتٍ مُرْتَعِشٍ :

- تَأَمَّلِي هَذِهِ الْجُثَّةَ الْعَالِقَةَ بِالشّبَاكِ، مُنْذُ أيَّامٍ. سَنَعْرِفُ نَفْسَ مَصيرِ هَذِه الْخُنْفُسَاءِ الْمِسْكينَةِ.

تَأمَّلتِ الْفَراشَةُ الْخُنْفُساءَ، فَوَجَدَتْهَا جُثَّةً سَوْدَاءَ هَامِدَةً، تَبْدُو، فِي الظَّاهِرِ، كَامِلَةً وَلَكِنَّهَا، فِي الْواقِعِ، هِيَ مُجَرَّدُ قِشْرَةٍ خَارِجِيَّةٍ، بِها ثُقوبٌ عَدِيدَةٌ، وَخَالِيَةٌ مِنْ أَيِّ حَشْوٍ، فَأَخَذَتْ تُرَدِّدُ بِجَزَعٍ وَأَسًى وَجَناحاها يَرْتَجِفانِ مِنْ شِدَّةِ الْهَلَعِ :

- يَا لَهَا مِنْ نِهايَةٍ أَلِيمَةٍ! سَوْفَ لَنْ أَسْتَطيعَ رُؤْيَةَ أُمِّي، بَعْدَ هَذا الْيَوْمِ،وَلَنْ يَسْتَقْبِلَنِي الْفَضاءُ الرَّحْبُ النَّابِضُ بِالْحَيَاةِ، وَلَنْ أَلْثِمَ خُدودَ الْوَرْدِ و الْأُقْحُوَانِ الُمُحْتَفِلةِ بِمَقْدَمِ الرَّبيعِ.

أمَّا الذُّبابَةُ فَإنَّها عَاوَدَتِ التَّخَبُّطَ فِي مُحاوَلاتٍ يَائِسَةٍ لِلْخَلاصِ، فَأَحْدَثَتْ فِي النَّسِيجِ هَزَّاتٍ عَنِيفَةً، انْتَقلَتْ بِسُرْعَةٍ إِلَى الْعَنْكَبوتِ عَبْرَ الْخَيْطِ الَّذِي كَانَتْ تُمْسِكُ بِهِ، فِي مَخْبَئِها وَهِي نَائِمَةٌ، فَأيْقَظتْها مِنْ نَوْمَتِها اللَّذِيذَةِ. هَاهِي تَسْتَيْقَظُ...

فَرَكَتِ الْعَنْكَبوتُ بِغَيْظٍ رَأْسَها الْمُلْتَحَمَةَ بِصَدْرِهَا،ثمُّ تَمَطّتْ، قَبْلَ أَنْ تَقومَ بِحَركاتٍ تَسْخِينِيّةٍ، بَعَثَتْ فِي بَدَنِها نَشاطًا وَحَيَوِيَّةً، لذلِكَ هَبّتْ إِلَى الْمَكانِ الّذِي سَبَقَ أَنْ حَدَّدَتْهُ لَها الاِهْتِزازاتُ، وَحِينَ وَجدَتْ فِي شِراكِها صَيْدًا ثَمِينًا، حَدَّثتْ نَفْسها وَهِي لاتَكادُ تُصَدِّقُ بَصَرَها الضَّعِيفَ:

- فَرِيسَتانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ! يَافَرْحَتِي!سَأَفْتَرِسُ الْيَوْمَ الذُّبَابَةَ ذَاتَ الطَّنِينِ الُمُزْعِجِ وَالرّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَسَأَتْرُكُ الْفَراشَةَ الْجَمِيلَةَ إِلَى الْغَدِ.

وَبَعْد رَقصَاتٍ عَلَى وَقْعِ الْفَرَحِ وَالْبَهْجَةِ اقْتَرَبَتِ الْعَنْكَبوتُ مِن الذُّبَابَةِ، وهِيَ تَتَذَكَّرُ كَيْفِيَّةَ اسْتِهْلاكِها لِفَرِيسَتِها:

سَتَشُكُّها فِي الْبِدايَةِ بِواسِطَةِ قُرونِها الرَّأْسِيَّةِ الَّتِي تُفْرِزُ مَادَّةً سَامَّةً تَشُلّ حَرَكَتَها فِي الْحِينِ، بَعْدَها سَتَحْقُن جَوْفَ الْفَريسَةِ عُصَاراتٍ هَاضِمَةً، فَيَتَحَوَّلُ حَشْوُ الذُّبَابَةِ إِلَى حَسَاءٍ سَهْلِ الاِمْتِصاصِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ لَنْ تَبْقَى مِنَ الذُّبَابَةِ  سِوَى قِشْرَةٍ فَارِغَةٍ، تُصَفِّرُ فِيهَا الرِّيحُ وَتُوَلْوِلُ.

وَحِينَ هَمَّتِ الْعَنْكَبُوتُ بِالاِنْقِضاضِ عَلَى الذُّبابَةِ،اسْتَوْقَفَتْهَا هَذِهِ الْحَشَرَةُ قَائِلةً، وَهِيَ تَكادُ تَتَقَيّأُ أَحْشاءَها مِنْ فَرْطِ الْخَوْفِ وَالرَّهْبَةِ:

   - أَيَّتُها الْمَلِكَةُ. لِي اقْتِرَاحٌ يُغْنِيكِ عَنْ قَتْلِي، وَيُحَقِّقُ لَكِ مُتْعَةً لاَ تُنْسَى. قَلْبي يُحَدِّثُنِي بِأنَّكِ سَتَقْبَلينَهُ نَظَرًا لِعُلُوّ أَخْلاقِكِ الّتِي تَتَحَدَّثُ عَنْها الْحَشَراتُ.

هَذِه الْكَلِماتُ الْجَمِيلةُ دَغْدَغَتْ سَمْعَ الْعَنْكَبوتِ وَأَغْرَقَتْها فِي زَهْوٍ وَحَيْرَةٍ، وَجَعَلَتْها تَتراجعُ إِلَى الْوَراءِ فِي اسْتِغْرابٍ كَبِيرٍ:

أَحَقًّا هِيَ مَلِكَةٌ، وتَتَمَتَّعُ بِكُلِّ هَذِه الْأَخْلاقِ الرَّفِيعَةِ، دُونَ أَنْ تَعْلَمَ؟

لِمَاذَا لَمْ يُخْبِرْهَا أَحَدٌ بِذلِكَ، طَوالَ حَياتِها؟

قَطَعَتِ الْعَنْكَبوتُ حَبْلَ تَساؤُلاتِهَا، مِنْ فَرْطِ تَشَوُّقِها لِسَماعِ الاِقْتِراحِ،فَراحَتْ تَسْأَلُ الذُّبَابَةَ بِغُرورٍ وَهِي تُقَلِّدُ حَرَكاتِ الْمَلِكَاتِ وَأَصْواتِهِنَّ :

- هَيَّا يَا ذَاتَ الْجَنَاحَيْنِ. قُولِي بِسُرْعَةٍ مَا هُو اقْتِرَاحُكِ؟

- مَوْلاتِي، مَلِكَةَ الزّمانِ. أَحْكِي لَكِ حِكايَةً طَرِيفَةً، إِنْ أَعْجَبَتْكِ أَطْلَقَتِ سَرَاحِي، وَإِنْ لَمْ تَنَلْ إِعْجابَكِ - لاَ قَدَّرَ اللَّهُ - فَلَكِ عِنْدَهَا أَنْ تَقْطَعِي رَأْسِي غَيْرَ آسِفَةٍ.

- اِتَّفَقْنَا، فَهَيّا اشْرَعي، الْآنَ، فِي سَرْدِ الْحِكايَةِ عليْنَا.

   تَمَلَّكَتِ الذُّبَابةَ فَرْحَةُ النَّجَاحِ فِي إِقْناعِ الْعَنْكَبُوتِ، فَرَاحَتْ تَقُولُ بِاضْطِرابٍ لَمْ يَدُمْ طَويلاً: 

" أَيّتُها الْمَلِكَةُ...مَاذَا أَقُولُ؟ أَقُولُ: ذَاتَ يَوْمٍ، غَادَرْتُ بِرِفْقَةِ أُخْتِي (قُمَامَة) إِحْدَى الْمَزابِلِ الْفَقِيرَةِ، إِلَى أَحَدِ مَنَازِلِ الأَثْرِيَاءِ، نُرِيدُ اقْتِحامَهُ مِنْ إِحْدَى النَّوافِذِ الَّتِي كَانَتْ مَفْتُوحَةً. لاَ أَدْرِي، يَوْمَهَا، كَيْفَ أَوْ لِماذَا أَمْسَكْتُ فَجْأَةً بِأُخْتِي، أَمْنَعُهَا مِنَ الدُّخُولِ، لَكِنَّها تَمَكَّنَتْ مِنْ دَفْعِي عَنْهَا، وَنَفَذَتْ إِلَى الدَّاخِلِ، غَيْرَ عَابِئَةٍ بِتَوَسُّلاتِي وَبُكائِي."

وَهُنَا، تَرَقْرَقَتِ الدُّمُوعُ فِي عَيْنَيِ الذُّبَابَةِ، وَتَهَدَّجَ صَوْتُهَا، فَأَمْسَكَتْ عَنِ السَّرْدِ، لَكِنَّ الْعَنْكَبوتَ لَمْ تَدَعْهَا تَسْتَرْجِعُ أَنْفاسَهَا إِذْ صَرَخَتْ فِي وَجْهِهَا بِقَسْوَةٍ:

- أَيَّتُهَا الْقمِيئَةُ، إِنْ قَطَعْتِ السَّرْدَ مَرَّةً ثَانِيَةً قَطَعْتُ رَأَسَكِ الُمُكَوَّرَةَ، فَهَيَّا استأنِفِي الْحِكايَةَ حَتَّى النِّهايَةِ.

   تَخَلَّصَتِ الذُّبَابَةُ مِنْ غُصَّتِهَا، قَبْلَ أَنْ تَتَمَكَّنَ مِنْ مُواصَلَةِ سَرْدِ الْقِصّةِ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ:

   "..وَسَرِيعًا مَا ظَهَرَتِ الْمُعِينَةُ الْمَنْزِليّةُ، فَأَغْلَقَتِ النَّافِذَةَ، ثُمَّ غَادَرَتِ الْغُرْفَةَ، لِتَرْجِعَ، بَعْدَ لَحَظَاتٍ، وَمَعَها عُلْبَةٌ أُسْطُوَانِيَّةٌ صَفْرَاءُ.."

" أَتَدْرِينَ مَاهِيَ أَيَّتُهَا الْمَلِكَةُ؟ إِنَّهَا عُبُوَّةٌ لِرَشِّ الْحَشَرَاتِ الْمَنْزِلِيَّةِ، بِهَا مُبِيدٌ ذُو فَاعِلِيَّةٍ قَوِيَّةٍ، تُبِيدُ الْخَنافِسَ والصَّرَاصِيرَ و الْعَنَاكِبَ وَالْبَعوضَ وَالذُّبَابَ عَلَى السَّوَاءِ."

"أَغْرَبُ مَا فِيهَا أَنَّهَا تَخْدَعُ الْحَشَرَةَ بِرَائِحَتِهَا الْمُعَطَّرَةِ بِزَهْرِ الْخُزامَى أَوِ الْياسَمينِ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَإِذَا اسْتَنْشقَتْها اخْتَنَقَتْ حَتّى الْمَوْتِ.

لَمْ تَسْأَلْنِي الْمَلِكَةُ كَيْفَ تُسْتَعْمَلُ عُبُوَّةُ الْمُبِيدِ ؟"

"نُزِيلُ غِطاءَها، ثُمَّ نَضْغَطُ عَلَيْهَا مِنَ الْأَعْلى، فَنَسْمَعُ صَوْتَ فَشْفَشَةٍ نَاتِجَةٍ عَنِ انْطِلاقِ الرَّشَاشِ صَوْبَ الْحَشَرَةِ."

"يَوْمَها حَطَطْتُ عَلَى زُجَاجِ النَّافِذَةِ، أُرْقُبُ الْوَضْعَ بِقَلَقٍ واُنْشِغالٍ، فَرَأَيْتُ كَيْفَ سَلَبَ الْمُبِيدُ أُخْتِي حَيَاتَها، بَعدَ تَطَايُرِ الرَّشاشِ مِنَ تِلْكَ الْعُبُوَّةِ."

"مَاتَتْ أُخْتِي ( قُمَامَةُ )أَيَّتُها الْمَلِكَةُ، تَارِكَةً فِي حَلْقِي مَرَارَةً، وَفِي قَلْبِي جَمْرَةً مُتَّقِدَةً."

قَالَتِ الذُّبَابَةُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَجْهَشَتْ بِالْبُكَاءِ، نَاسِيَةً أَمْرَ خَلاَصِها.

هَذِهِ الْحِكَايَةُ خَيَّبَتْ ظَنَّ الْعَنْكَبُوتِ، فَانْقَضَّتْ عَلَى الذُّبَابَةِ الشّاكِيَةِ الْبَاكِيَةِ انْقِضَاضَةً أَحَالَتْها، فِي لَحَظاتٍ مَعْدُودَاتٍ قِشْرَةً فَارِغَةً.

لَمْ يَنْقَطِعْ أَمَلُ الْعَنْكَبوتِ فِي الْفَوْزِ بِحِكايَةٍ مُمْتِعَةٍ، فَالْتَفَتَتْ إِلَى الْفَراشَةِ الَّتِي يكَادُ  يُغْمَى عَلَيْهَا مِنْ هَوْلِ مَا رَأَتْ،وَخَاطَبَتْها بِلَهْجَةِ تَهْدِيدٍ وَفَمُها مُلَطَّخٌ بِحَشْوِ فَرِيسَتِها:

- لِأَنّنِي مَلِكَةٌ عَادِلَةٌ فَسَأَمْنَحُكِ أَنْتِ الْأُخْرَى فُرْصَةً ذَهَبِيَّةً لِإِنْقَاذِ حَياتِكِ، فَإيّاكِ ثُمَّ إِيّاكِأَنْ تَحْكِي حِكَايَةً تُكَدِّرُنِي وَلاَ تُسَلِّينِي.

اِرْتَعَدَتْ فَرَائِصُ الْفَرَاشَةِ وَصُورَةُ صَاحِبَتِهَا ، مُنْذُ قَلِيلٍ،تَلْقَى حَتْفَهَا تَمُرُّ بِذِهْنِهَا، فَأَطْرَقَتْ مُخَاطِبَةً نَفْسَها:

  "سَتَعْرِفِينَ الْمَصِيرَ نَفْسَهُ إِنْ لَمْ تَرُقْ حِكَايَتُكِ الْعَنْكَبُوتَ يَا ابْنَةَ الرَّبِيعِ. هَذِهِ فُرْصَةٌ أُولَى وَأَخِيرَةٌ لِلنَّجَاةِ، فِي ضَيَاعِها ضَيَاعٌ لِحَياتِكِ، فَلاَ تَهْدُرِيها. اِسْتَفِيدِي مِنَ الْأَخْطاءِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا الذُّبَابَةُ لِإِنْقَاذِ حَياتِكِ".

لَمْ تُضَيِّعِ الْفَرَاشَةُ الْمَزِيدَ مِنَ الْوَقْتِ إذْ رَفَعَتْ رَأْسَهَا، وشَخَصَتْ بِبَصَرِها إِلى الْعَنْكَبُوتِ، ثُمَّ شَرَعَتْ فِي سَرْدِ الْحِكايَةِ قَائِلَةً، وَالْأَصْفَادُ تُكَتِّفُ أَعْضَاءَ جِسْمِهَا:

"ظَلَّ السَّاحِرُ، مُنْذُ الْقَدِيمِ، ذَلِكَ الْإِنْسانَ الشِّرِّيرَ الْمُؤْذِيَ لِلنَّاسِ وَالْمَذْمُومَ بَيْنَهُمْ عَلَى الدَّوَامِ، إلَى أَنْ ظَهَرَ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ سَاحِرٌ طَيِّبٌ، يُجِيدُ فُنُونَ الْحَدِيثِ بِكُلِّ اللُّغَاتِ، وَيُقَدِّمُ لِلْأَطْفَالِ الدُّرُوسَ وَاُلْكُتُبَ وَالْبُحوثَ وَالْأَلْعَابَ والْمُغَامَرَاتِ.

"سَاحِرٌ لَمْ يَنْسَ فَضْلَ الْإِنْسَانِ عَلَيْهِ فَسَخّرَ نَفْسَه لِخِدْمَتِهِ، اِعْتِرَافًا لَهُ بِالْجَمِيلِ."

"هَذا السَّاحِرُ الْعَجِيبُ هُوَ مَوْضُوعُ هَذِهِ الْحِكَايَةِ الْوَاقِعِيَّةِ، فَهَلْ عَرَفْتِ مَنْ هُوَ؟"

قَالَتِ الْفَراشَةُ ذَلِكَ، ثُمَّ لَزِمَتِ الصَّمْتَ لِتُحْدِثَ فِي نَفْسِ الْعَنْكَبُوتِ اُلْمَغْرُورَةِ تَشْويقًا أَكْبَرَ لِلْاسْتِمَاعِ، وَتُكَسِّرَ شَوْكَتَها.

لَمْ تَعُدِ الْعَنْكَبوتُ تُطِيقُ صَبْرًا عَنْ الْاِنْتِظَارِ، فَانْفَجَرَتْ  قَائِلَةً وَهِيَ تُقاسِي مَشَقّةَ التّشَبُّهِ بِالْمَلِكاتِ:

- هَيَّا أَكْمِلِي الْحِكايَةَ قَبْلَ أَنْ أُحَوِّلَكِ إِلَى قِشْرَةٍ مُقْرِفَةٍ.

- إِنْ قَتَلَتْنِي مَوْلاَتِي مَاتَتِ الْحِكايَةُ بِمَوْتِي، وَظَلَّتْ أَحْداثُهَا الْمَجْهُولَةُ تُعَذِّبُهَا، صَبَاحَ مَسَاءَ، وَتُنَكِّدُ عَلَيْهَا حَيَاتَهَا، فَأيُّهُمَا أَفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَلِكَةِ؟ جِسْمي النَّحِيفُ الَّذِي لايُسْمِنُ وَلايُغْنِي مِنْ جُوعٍ، أَمْ بَقِيَّةُ الْحِكَايَةِ الَّتِي لايَعْرِفُهَا، فِي الدُّنْيَا سِوايَ؟

فَكَّرَتِ اُلْعَنْكَبُوتُ قَلِيلاً، فَهَالَها مَا يُمْكِنُ أَنْ يُصِيبَها لَوْ ظَلَّتْ تَجْهَلُ بَقِيَّةَ اُلْحِكَايَةِ الْمُشَوِّقَةِ، وَمن دُونِ أَنْ تَشْعُرَ، وَجَدَتْ نَفْسَهَا تَتَوَسَّلُ إِلَى اُلْفَراشَةِ قَائِلَةً بِكُلِّ ذِلَّةٍ وَمَهَانَةٍ:

- أَرْجُوكِ يَا فَرَاشَةُ ! أَغِيثِينِي فَنَارُ الشَّوْقِ إلى الاِسْتِماعِ تَحْرِقُنِي. اِسْعَفِينِي أَهَبْكِ مَا تَشَائِينَ. عَجِّلِي بِالْحِكايَةِ، فَهِي الدَّاءُ، وَهِي الدَّوَاءُ.

- مَوْلاتِي، خَلِّصِينِي مِنْ أَصْفَادِي وَأغْلالِي حَتّى أَتَذَكّرَ كُلَّ أَحْداثِها.

وَمَاهِي إِلاَّ لَحَظَات حَتَّى وَجَدَتِ الْفَرَاشَةُ نَفْسَهَا تَحُطُّ عَلَى أَحَدِ الْأَغْصانِ، حُرَّةً كَنَسَمَةِ الْهَوَاءِ الَّتِي أَخَذَتْ تُحَرِّكُ جَنَاحَيْها وَقَرْنَيْها بلُطْفٍ كَأَنّها تُهَنّئها.

تَذَكَّرَتِ الْفَراشَةُ وَعْدَهَا لِلْعَنْكَبُوتِ فَأطَلَّتْ عَلَيْهَا مِنْ أَعْلَى الْغُصْنِ، فَوَجَدَتْ الشّوْقَ إِلى سَمَاعِ أَحْداثِ الْحِكَايَةِ قَدْ حَوَّلَ اُلْمَلِكَةَ الْمَزْعُومَةَ إِلَى حَشَرَةٍ مِسْكِينَةٍ، تُثِيرُ الشَّفَقَةَ.

وَفِي الْحِينِ، رَاحَتِ الْفَراشَةُ تَسْتَأنِفُ سَرْدَ الْحِكايَةِ، من دُونَ أَنْ تَنْزِلَ إِلَى الْعَنْكَبُوتِ، فَقالَتْ بِصَوْتٍ لايُكَدِّرُ صَفاءَهُ خَوْفٌ، هذِهِ الْمَرَّةَ :

    "..ذلِكَ السَّاحِرُ لَيْسَ إِنْسانًا، إِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جِهَازٍ عَجِيبٍ يَتكَوَّنُ مِنْ لَوْحَةِ مَفَاتِيحَ مُتَّصِلَةٍ بِشَاشَةٍ. رَأَيْتُهُ مَرَّتَيْنِ بَيْنَ أَطْفالٍ كَانُوا يَتَحَلَّقون أمَامَهُ بِشَغَفٍ، فَدَفَعَنِي حُبُّ الاطِّلاعِ إِلَى دُخُولِ غُرْفَتِهِمْ، وَلَمَّا اقْتَرَبْتُ مِنْهُمْ، شَاهَدْتُ عَلَى شَاشَتِهِ مَجْمُوعَتَيْنِ مِنَ الْجُيوشِ تَتَقاتَلانِ بِالْقَذائِفِ وَالصَّوارِيخِ، فَكِدْتُ أَهْرُبُ فَزَعًا، لَكِنَّ الْأَطْفالَ اسْتَوْقَفُونِي ضَاحِكِينَ، لِيُبَيِّنُوا لِي أَنّ تِلْكَ الْحَرْبَ لَيْسَتْ حَقيقِيَّةً، بَلْ هِيَ لعْبَةٌ مِنَ الْأَلْعابِ الَّتِي يُوَفِّرُهَا لَهُمْ هَذَا الْجِهَازُ اُلطَّيِّبُ."

"وَرَغْمَ ذَلِكَ لَمْ أَسْتَطِعِ التَّخَلُّصَ مِنَ الْخَوْفِ الَّذِي تَرَكَهُ مَشْهَدُ الْحَرْبِ ذَاكَ فِي قَلْبِي، فَطِرْتُ إِلَى الْحَدِيقَةِ الْجَمِيلَةِ أُلاَعِبُ الْأَزْهَارَ..وَبَعْدَ أَيَّامٍ، هَزَّنِي الشَّوْقُ إِلَى رُؤْيَةِ ذلِكَ الْجِهَازِ السّاحِرِ، فَدَخَلْتُ غُرْفَةَ الْأَطْفالِ مِنْ جَدِيدٍ، وَحَطَطْتُ عَلى شَاشَةِ الْجِهازِ الطّيِّبِ.."

"وَبَيْنَما كُنْتُ أَتَأَمَّلُهُ بِإِعْجابٍ إِذْ قَدِمَ الْأطْفالُ، فَرَحَّبُوا بِي، وَدَعُونِي إِلَى مُشَاهَدَةِ لعْبَةٍ أُخْرَى غَيْرِ لعْبَةِ الْحَرْبِ الّتِي لَمْ تَرُقْنِي سَابِقًا.."

" ضَغَطَ أَحَدُهُمْ عَلَى بَعْضِ مَفاتيحِ اللَّوْحَةِ، فَظَهَرَتْ عَلَى الشَّاشَةِ صُورَتِي يَنْطَلِقُ مِنْها صَوْتٌ يُنَادِنِي بِاسْمِي بِعِدَّةِ لُغَاتٍ، وَلَمَّا انْبَعَثَ مِنَ الْجِهَازِ صَوْتٌ مُوسِيقِيٌّ رَقِيقٌ، رُحْتُ أَرْقُصُ عَلَى أَنْغَامِهِ، فَتَرْقُصُ صُورَتِي مَعِي، كَأنَّهَا تُقَلِّدُنِي حَتَّى تَعِبْتُ. َوعِنْدَهَا اسْتَأْذَنْتُ الْأَطْفالَ فِي الانْصِرافِ، تَارِكَةً إِيَّاهُمْ يَتَلَقَّوْنَ مِنْ هَذَا السَّاحِرِ- الْمُدَرِّسِ أَيْضًا- دُرُوسًا فِي الْجُغْرافِيَا، وَطِرْتُ بَعِيدًا، وَبِي إِعْجابٌ شَدِيدٍ بِهَذَا الْجِهازِ الْبارِع."

" أَعَرَفْتِ الْآنَ عَمَّنْ كُنْتُ أَتَحَدَّثُ ؟ إِنَّه - كَما أَعْلَمَنِي الْأَطْفَالُ، الْحَاسُوبُ سَاحِرُ هَذا الْعَصْرِ."

هَكَذَا خَتَمَتِ الْفَراشَةُ حِكايَتَهَا موفِيَةً بِالْوَعْدِ والْعَهْدِ، وحِينَ لَمْ يَبْقَ لَهَا إِلاَّ أنْ تَطِيرَ،طارَتْ غَيْرَ مُصَدِّقَةٍ أَنَّهَا سَتَرَى وَالِدَيْها وَالأَحِبَّةَ وَالرّبِيعَ مَرَّةً أُخْرَى.

هَاهِيَ، الآنَ، تُحَرِّكُ جَنَاحَيْهَا الُمُزَرْكَشَيْنِ بِكُلِّ تَعَطُّشٍ إِلَى الْحَرَكَةِ من دونِ قُيُودٍ.مُنْشَغِلَةٌ هِيَ الْآنَ بِالطَّيَرَانِ عَنِ الْعَنْكَبُوتِ الَّتِي ظَلّتْ تُشَيِّعُها بِبَصَرِها الضَّعِيفِ، مُتَوَسِّلَةً :

- أَرْجُوكِ يَا مَلِكَة الْفَرَاشَاتِ واُلْحِكاياتِ ! خُذِينِي مَعَكِ إِلَى هَذا السَّاحِرِ الْعَجِيبِ الَّذِي مَسَّنِي سِحْرُهُ. أُرِيدُ أَنْ أَرَى صُورَتِي عَلَى شَاشَتِة، وَأَسْمَعَ صَوْتًا يَنْبَعِثُ مِنْهُ، يَنْطِقُ بِاسْمِي بِكُلِّ اللُّغَاتِ، وَأَرْقُصَ رَقَصَ الْفَرَاشاتِ عَلى أَنْغَامِهِ الْمُوسِيقِيَّةِ. لِمَاذَا عَنِّي تَبْتَعِدِينَ؟ أخْرِجينِي مِنْ وَحْشَتِي الْخانِقَةِ وَغُرْبَتِي الْقَاتِلَةِ. أيْنَ أَنْتِ؟ عودِي لِأَخْذِي مِنْ بَيْتِي الْمَسْكونِ بِقُشُورِ الْفَرَائِسِ وآلاَمِها إلَى ذَلِكَ السَّاحِرِ اللَّطِيفِ. أُنَادِيكِ فَهَلْ تَسْمَعِينَني؟

**النهاية**

© مجلة نسيم الإلكترونية للأطفال

موقع أطفال مفيد من أفضل مواقع الطفل التربوية و التثقيفية و العلمية. مجلة نسيم للاطفال مجلة إلكترونية خاصة بالطفل من اجل أطفالكم. قصص و حكايات و علوم و تعليم الرسم و الاعمال اليدوية. موقع أطفال موقع أطفال موقع أطفال موقع أطفال موقع أطفال موقع أطفال

الفئة: قصص و حكايات | بتاريخ: (2015-01-05) | 
مشاهده: 1453 | الترتيب: 4.7/15
مجموع التعليقات: 2
avatar
1
2
يسعدني تسجيلي في هذه المجللة الجميلة
avatar
1
1
biggrin biggrin biggrin
avatar